الأحد، 28 سبتمبر، 2014

ما بعد سليم..





لا لم أكن من هؤلاء الأمهات اللائي طرن فرحا عندما شعروا بتحرك انسان صغير فى طريقه للتكوين بداخلهن بل على العكس شعرت بفزع شديد من كل شيء..منك و من الحمل و من المسؤولية و العمل و الاجازة و حتى من الولادة بالرغم من كوني فى شهر الحمل الأول و يفصل بيني و بين يوم قدومك حوالي ثمانية أشهر كاملة!

حط نفسك مكاني..تخيل واحدة ملهاش فى الاطفال و اخر اهتماماتها لما تلاقى طفل انها تفضل تقوله "كوتي كوتي" و "يا خلاسي" زي البنات الكيوت..ولا عندها اى تطلع انها تتصور مع بيبي مولود و تحط الصورة على الانستاجرام مصحوبة ب"هاشتاج" cutness overload. فأمك يا سليم دمها تقيل جدا مع الأطفال و دي حقيقة لازم تعرفها..و عشان العب مع اى طفل فى مواصفات معينة لازم تكون موجودة فيه أولها النضافة و مش أخرها انها تكون بنت!

بعد اسبوع تقريبا من معرفتنا بقدومك كان هذا الحادث المؤلم الذى قلب حياتي رأسا على عقب..كان اول رد فعل لي اننى لا اريد هذا الطفل..لا أعرف لماذا لمتك انت على شيء لا يخصك بأي شكل ربما لأني اعرف انني لن أجد من الومه على شيء كهذا. بعدها سأندم على تفكيري هذا و سأحلم بالبنت التى سأنجبها و التى ستشبهني فى الطباع و الدماغ..سترتدي الوردي و الفيونكات و ستكون لها شخصيتها المستقلة القوية..ستخبز معي الكيك و ستلعب معي بالدقيق زي أنغام فى كليب عمري معاك..

"انتي عارفة انك حامل فى بيبي بوي؟" قالها الطبيب بمنتهى اللامبالاة حينها فقط ايقنت ان القدر يعاندني و ان الله لا يريد ان يحقق لى ايا من احلامي. بكيت كثيرا و تألمت على ابنتي التى لم انجبها تماما كأن حملي هذا هو أخر فرصة لى للأنجاب.

طوال ثمانية أشهر أصبت فيهم بقدر لا بأس به من اكتئاب الحمل المصحوب بالحزن لاسباب اخرى لا يد لك فيها..لم أنتظر قدومك و لم أشعر بشغف الأمهات الجدد و أنا أشتري حاجياتك..فقد كنت أقوم بمهمة أخرى ضمن مهامي الثقيلة..جمعت الاشياء التى ستحتاجها فى عامك الاول باحترافية من انجبت تسع اطفال و تنتظر العاشر..لم انس شيئا كبيرا كان او صغيرا وضعت خطة الولادة بدقة: ولادة قيصرية ببنج نصفي و اتفقت مع الطبيب على كل ما اريد.

و مرة اخرى عاندني القدر و لم يتحمل ظهري ابرة "الابيديورال" او البنج النصفي بعد عدة محاولات المتنى كثيرا و افقدت أبيك اتزانه فى غرفة العمليات. "مفيش حل غير البنج الكلي" قالها الطبيب و بدأت فى التوتر فهذا اخر ما كنت احتاجه!
 فى غرفة الافاقة استرديت وعيي كاملا فى لحظة لأجد أبيك بجواري يخبرني بقدومك سالما معافا بدأت فى تحريك قدمي لأتأكد من قدرتي على الاحساس بها بعد الالام الشديدة التى شعرت بها أثناء محاولات الطبيب اعطائي البنج النصفي..

حينما رأيتك لأول مرة لم أشعر بأي شيء..لا الامومة ركبتني ولا حسيت انك أهم واحد فى حياتى..لا أعرف حقا هل تبالغ الأمهات لهذه الدرجة أم هل يشتغلون نفسهم؟! كان أول شعور يتملكنى هو انى disconnected عن الحدث..فأنا دخلت غرفة العمليات بطفل بداخلي و خرجت بدونه..لم اره و هو يخرج مني و لم اسمع اولى صرخاته خارج رحمي. "مين دا؟" كان السؤال الذى سألته ضاحكة لأبي حينما دخل ليطمئن علي أول مرة بعد قدومك. سأشاهد بعدها لحظة خروجك من داخلي التى صورها أبيك و سأغالب دموعي فى كل مرة لسبب لا اعرفه..

سيستمر شعوري بأني خارج الحدث لبقية اليوم تقريبا..سأتحامل على نفسي لاقف و امشي بعد العملية بساعات قليلة فاتسائل مرة اخرى عن سر تهويل الامهات لهذه اللحظة..فالجرح مؤلم بالتأكيد لكنه ألم محتمل جدا.

لاحقا فى هذا اليوم سيأتون بك الي و سيطلبوا مني أن أحاول ارضاعك..نسيت أن أخبرك اننى كنت قد قررت ان ارضعك رضاعة طبيعية لأن "دا الصح" مش لأني عندي اى نوع من المشاعر المتدفقة اللى بيتكلموا عنها الامهات. جبتك لي الممرضة و خدتك فى حضني لتاني مرة..طلبت منهم الخروج و قررت اطبق عليك اللى قريته طول التسع شهور اللى فاتوا..قربتك مني و شفتك و انت بتفتح بقك و بتعافر عشان تاكل و بتحط ايدك عليا فى استسلام تام..ساعتها بس حسيت ان انا و انت ملزوقين فى بعض..حاجة كدا ما تتوصفش..انت محتاج حاجة مش موجودة غير عندي انا عشان أنا أمك.."أمك"!
 و كانت هي دي اول لحظة فارقة..

ستستمر لحظاتنا الخاصة جدا التى تنكمش فيها داخل حضني لتأكل بفطرة عجيبة.. اربت على رأسك برفق فتشعر بأمان تام و تغلق عينيك الحلوة و يستمر فمك الصغير فى الحركة..حتى الان تكررت هذه اللحظة أكثر من ثمانمائة مرة و في كل مرة أشعر بأنك امتداد لجسدي..و كأنك لم تنفصل عني بعد!

أما الان و بعد مرور أول اربعة أشهر على يوم مولدك فأنا لا أتخيل حياتي بدونك..لا مش عشان هم بيقولوها كدا..دا احساسي فعلا.. ضحكتك الصباحية حينما تراني لأول مرة بعد ان تفتح عينيك الصغيرتين..هدوئك بمجرد أن تسمع صوتي..نظرتك لي و انت فى حضني..ضحكتك الجديدة اللى بصوت دي..أشياء عصية جدا على الفهم و الاستيعاب..كتلة صغيرة من الحب و المشاعر تتضاعف فى اليوم الواحد مائة مرة..حقيقي غيرة أبيك من حبي لك لها اساس قوي بس خليها بيني و بينك و ما تقولوش 

أصبحت أفعل كل ما كنت أسخر منه من قبل..أتابع وزنك فى شغف و أشعر بالفخر من قدرتي على الصمود أمام متاعب الرضاعة الطبيعية.. أحكي للناس عن "الحقوا بيمسك رجله" "شوفوا بيرفع ايده ازاي" و غيرها و غيرها من الانبهارات بحركاتك الصغيرة..

يشطح عقلي و يتخيل أشياء عجيبة فأتخيل مرة ان هناك من سيسرق السيارة حينما ينزل منها أبيك و سيخطفنا أنا و أنت فأقرر بمنتهى التلقائية اننى سألقى بكرسيك و انت بداخله من الباب ثم سأقفذ فوقك فورا لأحميك من السيارات .. أتخيل مرة أخرى أن النجفة ستسقط عليك..فأقرر بنفس التلقائية أنني سأميل بجسدي فوقك لتصطدم بي انا لكنى لن أميل عليك بقوة حتى لا يؤلمك ثقل جسدي.. تكح قليلا فيشطح خيالي مرة اخرى..هل قلبه بخير؟ هل هناك عملية اسمها نقل قلب؟ هل سينفعك قلبي؟ كنت اتعجب احيانا من الامهات اللائي يتبرعن بنقل اجزاء من اجسامهم لابن مريض او ابنة على فراش الموت..الا تترددن؟ كيف تقدمن على هذه الخطوة؟ أما الان فلا شيء يدعو للعجب..على العكس!

 تحاوطني الخيالات المريضة..و فى كل مرة أقرر الطريقة التى سأحميك بها ولا أهتم لجزء من الثانية بسلامتي الشخصية. هكذا..دون لحظة تفكير أجدني أفضل حياتك على حياتي تفضيلا لا يشوبه اي تردد بعد 120 يوم بس!!

أحيانا أشعر بأنى أحتاج اليك أكثر مما تحتاج الي..هذا الحضن الدافئ..تلك السكينة التامة و الدعة..هذا الحب الغير مشروط..هذا الامان التام و انت نائم فى حضني..كل هذا يشعرني باحتياجي اليك يا صغيري أكثر كثيرا مما تحتاج الي..

قررت أن أكتب لك الان تحديدا..قبل شهرين بالتمام من أن تبدأ فى الأكل و الاعتماد على غيري فى تغذيتك.. مشاعري متناقضة ما بين الفرحة بأني أخيرا سأحصل على القليل من الراحة و بين الغيرة من أن لحظاتنا الخاصة جدا التى نقضيها سويا ستقل تدريجيا حتى ينتهي عامك الاول فتختفي تماما..هل نسيت ان اخبرك انني بالامس أخبرت والدك بأنني سأبدأ فى حب" سوبر مان" و" بن تن" و "سبايدر مان" عشان خاطر عيونك..شقلبتني يا سليم!

و فى وسط تجربة الأمومة المذهلة استوقفني أن بطل كليب عمري معاك كان أصلا ولد..دا غير انى اصلا ما بعرفش أعمل كيك !


ليست هناك تعليقات: